24 نوفمبر 2021

الهجرة غير النظامية في تونس

 مقدمة -I

تتسبب ظاهرة الهجرة غير النظامية في حالة من القلق للدول المصدرة و الدول المستقبلة للمهاجرين , فمنذ التسعينات إلى اليوم تواصل تدفق المراكب الحاملة للمهاجرين غير النظاميين من السواحل التونسية و لكن سجلت البلاد التونسية فترات ذروة لخروج عدد كبير من القوارب الحاملة للمهاجرين غير النظاميين و تتمثل الذروة الأولى بعد الثورة التونسية سنة 2011 حيث سجلت هذه الظاهرة منحى تصاعدي بعد سقوط نظام بن علي و هذا ما يؤكد استغلال شبكات الترحيل للوضع و الظروف الخاصة و انشغال السلطات الأمنية خلال تلك الفترة , أما بالنسبة للذروة الثانية فهي سنة 2020 بعد ظهور وباء الكورونا في تونس و خاصة خلال فترة الحجر الصحي حيث شهدت البلاد التونسية خلال هذه السنة ارتفاعا هاما في عدد المهاجرين غير النظاميين المتجهين نحو السواحل الايطالية.

حيث تعتبر هذه الهجرة هي فعل و طريقة تعبير يقوم بها المواطنون لكي يعبرون عن رفضهم للوضعية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد إذ تمثل “الحرقة” حلا للهروب من مختلف المشاكل المتعلقة بالبطالة و تردي الأوضاع المعيشية.

هذا شهدت ظاهرة الهجرة غير النظامية تغيرات على مستوى المنخرطين في عملية الهجرة غير النظامية من جنسيات و طبقات و فئات عمرية حيث أصبحت القوارب تضم جميع الفئات العمرية و تحمل عدد مهم من القصر الذين لم تتجاوز أعمارهم 18 سنة و تضم كذلك القوارب النساء و النساء الحوامل و تغيرت الهجرة حيث كانت الهجرة غير النظامية فردية و لكن نلاحظ اليوم ظهور هجرة عائلات بأكملها.

سنحاول من خلال هذه الورقة التحليلية أن نحلل ظاهرة الهجرة غير النظامية خلال تحديد الخصائص السسيوديمغرافية للمهاجرين غير النظاميين و الأسباب التي تدفع إلى ارتفاع هذه الظاهرة.

  تطور عدد المهاجرين غير النظاميين من خلال الإحصائيات الرسمية II

الهجرة غير النظامية خلال شهر سبتمبر 2021

مقارنة نفس الفترة خلال السنوات 2018 , 2019 , 2020 و 2021

عدد المجتازين الذين وقع إيقافهمعدد عمليات الاجتياز المحبطةعدد الواصلينالسنة
356355592018
500398642019
203517019512020
319930816552021

توزيع الواصلين إلى ايطاليا خلال شهر سبتمبر 2021

المجموعخلال شهر سبتمبر 
126971655الواصلين
99881386الرجال
44952النساء
47768القصر مع مرافقة
1772139القصر بدون مرافقة

ـ أدفاق الهجرة في تزايد و ملامح  مهاجرين تتغيرIII

اليوم لا يمكن تحديد هوية المهاجر غير النظامي فقد كانت الهجرة غير النظامية ذكورية  و كانت تشمل فئة معينة من المجتمع و لكن اليوم أصبحت تشمل جميع الفئات الاجتماعية و الفئات العمرية ذكورا و إناث و تحمل مراكب الموت العديد من القصر الذين لم تتجاوز أعمارهم 18 سنة.

هناك توسع لظاهرة الهجرة غير النظامية فقد كانت هجرة ذكورية بالأساس و تضم فئة معينة من المجتمع و هم الذين يعانون مشكلة البطالة و لكن في العقد الأخير أصبحت تشمل كل الفئات العمرية من أطفال و شباب و كهول إناثا و ذكورا و العاطلين عن العمل و كذلك أصحاب الشهائد العليا كما تحولت تدريجيا الى هجرة عائلات و أصبحت هذه الظاهرة موروث ثقافي  تعبر عنه أغاني الراب و الأفلام و المسرحيات و العديد من تدوينات الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي.

 فالأطفال منذ صغر سنهم ينشئون على فكرة الهجرة و هنا للعائلة و المدرسة دور رئيسي في ترسيخ هذا الهاجس للأطفال باعتبارها حلا لتحقيق الأحلام  اظافة إلى هذا تلعب ظاهرة الانقطاع المبكر للدراسة دورا كبيرا في ارتفاع ظاهرة الهجرة غير النظامية للقصر. فالشباب ذوي المستوى التعليمي الضعيف يعتقدون أنه من غير الممكن تحقيق الأهداف في تونس. فهم ينشئون في حالة من اليأس. فالعائلة أصبحت تعتبر أن الهجرة ضرورية ليست فقط لأبنائها بل لجميع الأفراد  

 ـ الأسباب التي تدفع التونسيين للهجرة بطريقة غير نظاميةIV

1 ـ الأسباب الاقتصادية

تعتبر الهجرة غير النظامية فعل و طريقة تعبير يقوم بها التونسيون لكي يعبرون عن رفضهم للوضعية الاقتصادية                                                                                                      

فبعد الثورة و بعد 10 سنوات من مسار انتقال ديمقراطي مرتبك و متعثر شهدته الدولة التونسية ينتاب الشباب التونسي حجم كبير من الإحباط و التهميش و الإقصاء و البطالة و الفقر فقد كانت دائما من أهم مطالب الشباب هو التشغيل و مع ذلك كانت نسبة البطالة في تونس مرتفعة. إذ تعتبر الهجرة للتونسيين حلا لتحسين ظروف الحياة و توفير مواطن شغل.

تعتبر إذا  الهجرة غير النظامية مظهر من مظاهر فشل اقتصادي و تنموي في البلاد التونسية و الشباب اليوم يختلف عن الشباب في الماضي فقد أصبح لهم أكثر طموح و يريدون العيش في رفاهية و تحسين أوضاعهم المادية و الاجتماعية بكل الطرق. 

2 ـ الأسباب الاجتماعية

لم تعد ظاهرة الهجرة غير النظامية ظاهرة اقتصادية فقط بل أصبحت كذلك ظاهرة اجتماعية تهم كل الفئات الاجتماعية                                                                                          

فالشباب اليوم لديهم أحلام لا تنطبق مع الواقع المتردي الذي يعيشون فيه فالنظرة لظاهرة الهجرة غير النظامية في المجتمع تغيرت , فالهجرة غير النظامية كانت سابقا سرية و كانت خطيرة و لكن أصبحت اليوم تنظم في أقل من جمعة و أصبحت كذلك فخر  

أصبحت الهجرة غير النظامية اليوم “رؤية ثقافية اجتماعية ” فالأسرة تدعم أبناءها القاصرين بالمال و المعلومات و ذلك من أجل تحقيق أحلامهم و تغيير واقعهم المعيشي

الهجرة كانت سابقا هجرة فردية و لكن اليوم نلاحظ أن للعائلة دور رئيسي و فعال في هذه الرحلة فهي التي تشجع أبناءها لركوب رحلات الموت من أجل تحقيق أهدافهم و أحلامهم. لأن الهجرة تفتح أبواب العمل و النجاح و تلعب دور المصعد الاجتماعي للمهاجر و لكل أفراد عائلته فالنجاح الفردي يتحول الى نجاح جماعي.

لقد أصبح المجتمع من خلال مؤسساته الأولية للتنشئة و الإعلام اليوم له دور فعال في ارتفاع ظاهرة الهجرة غير النظامية,  فللعائلة و المدرسة و المحيط الاجتماعي دور رئيسي في ظاهرة الهجرة فهذه المؤسسات تقوم بترسيخ فكرة الهجرة لأطفالهم منذ الصغر و ذلك لتحقيق أحلامهم, فالعائلة  من خلال حث أبناءها على الربح السريع و التذمر المستمر من سوء المعيشة قد تدفع بأبنائها  إلى الهجرة من أجل تحسين ظروفهم الاقتصادية و الاجتماعية لذلك أصبحت الأسرة تدفع بأبنائها لركوب رحلات الموت.

3 ـ دور الأنترنات و التكنولوجيا الحديثة في الهجرة غير النظامية

تعتبر  العولمة من أهم العوامل المغذية لظاهرة الهجرة النظامية و غير النظامية , أنها غذت طموحات و أحلام فئات واسعة من الشباب حتى يعيش في أوروبا تحديدا تحت إغراء ” الحلم أوروبي و الواقع إفريقي” إن الترابط بين دول العالم و انفتاحها على بعضها البعض و تشابك مواقع التواصل الاجتماعي كلها عوامل ساهمت في اتساع نطاق الهجرة.

فللأنترنات و وسائل التواصل الاجتماعي دور رئيسي في إيهام الشباب بواقع و حياة أفضل فصور الدول الأوروبية و الرفاهية الموجودة فيها تزرع لدى الشباب هاجس السفر بكل الطرق إذ تشبه هذه الصور الحياة الأوروبية بمثابة “الجنة” فتمثل لهم في مخيلتهم أن الحياة الأوروبية هي الراحة و الرفاهية و السعادة و المال و السيارات الفخمة.

  إذا تلعب وسائل الإعلام و الأنترنات دور رئيسي في ظاهرة الهجرة غير النظامية فمن خلال هذه الوسائل يحمل الشباب فكرة جيدة عن الحياة الأوروبية و تمثل بالنسبة لهم “الحياة المثالية”               

4 ـ دور العوامل السياسية في ارتفاع موجات الهجرة

ترتبط ظاهرة الهجرة غير النظامية بأسباب اقتصادية و اجتماعية و لكن ما يمكن ملاحظته أيضا أنه كلما ازدادت الأزمات السياسية و الاحتجاجات في تونس كلما ازدادت موجات الهجرة غير النظامية.

فبعد 10 سنوات من مسار انتقالي للدولة التونسية الثورة أصبح ينتاب الشباب التونسي حجم كبير من الاحباط و التهميش و الإقصاء و البطالة و الفقر و أصبح التونسيون يعيشون حالة من الاأمن اظافة إلى أن هناك انفصال بين الشعب و خاصة الشباب و بين الدولة فيتجه الشباب بحثا عن الحظوة الاجتماعية المفقودة و عن الأحلام و الطموحات و العدل و الكرامة.

إن الوضع السياسي الهش في البلاد التونسية هو الذي تسبب في تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و تسبب في تدهور الأوضاع في جميع القطاعات

تتحمل الحكومات المتتالية بعد الثورة جزءا كبيرا من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع ظاهرة الهجرة غير النظامية فهي لم تزرع في قلوب التونسيين سوى الخوف و اليأس و الإحساس بالإهمال و انعدام الثقة و المستقبل المجهول مما تسبب في هروب الشعب من موطنه و ساهمت كذلك كل هذه الأسباب في تطوير ظاهرة الهجرة إلى أن أصبحت الهجرة هجرة عائلية. و هذا الفعل الجماعي يفسر رفض الشعب للوضع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي للبلاد و خيبة الأمل الكبيرة اتجاه السياسيين. 

   النقاش

كيف أصبحت الهجرة موضوعا لحركات احتجاجية مواطنية سواء للدفاع عن حقوق المهاجرين المتواجدين في تونس أو حقوق المهاجرين التونسيين و من أجل قضايا المفقودين ؟

كيف يمكن للحركات الاحتجاجية بالتعاون مع عائلات الضحايا, المنظمات الدولية و المجتمع المدني أن تجعل منهم موضوعا لا لمجرد الاحتجاج رغم أهميته إما للدرس و النقاش و تقديم المقترحات ؟

ما تأثير مسارات التعاون مع الاتحاد الأوروبي و دوره في انتهاك حقوق المهاجرين ؟

أي سياسة هجرية يجب أن تتبناها تونس و تكون ضامنة للحقوق ؟

ما الدور الذي يجب أن تقوم به الحركات الاجتماعية و المدنية من أجل عدالة هجرية؟

بقلم : نسرين بن بلقاسم

اترك تعليقاً